علي بهجت الأثري

علي بهجت

كتبت مقال – نقلاً من مصادر متعددة – منذ بضعه أيام عن حسن عبد الوهاب عالم الآثار الإسلامية وكانت ذكرى وفاته من أسبوع تقريبا وتحديدا يوم ۲۱ مارس. في أثناء بحثي عن الأستاذ حسن عبد الوهاب قرأت مقال في جريدة الأهرام بعنوان “علي بهجت الأثري والمجمع العلمي المصري” وكان المقال ضمن ملف حسن عبد الوهاب في أرشيف الأهرام لذكر أسم حسن عبد الوهاب، وذكر الدكتور حسين فوزي – كاتب المقال – المرحوم حسن عبد الوهاب بمناسبة حصوله على جائزة الدولة التقدرية بعد وفاته بقليل، وقال ضمن المقال ” ولما كنت أعرف الكثير من تاريخ صديقي حسن عبد الوهاب، فقد أردت أن أتعرف على طرف من حياة سلفه في الآثار الإسلامية المرحوم علي بهجت” ثم يكمل معتمدًا على خطاب التأبين الذي ألقاه الشيخ مصطفى عبد الرازق في جلسة المجمع العلمي المصري بتاريخ ۱۲ مايو ۱۹۲٤، وأنقل لكم ما كتبه وذلك متزامنًا مع ذكرى وفاه هذا العالم الجليل.

تعلم علي بهجت، حفيد التركي علي اغا، من موظفي الحكومة في مديرية الشرقية، بالمدرسة الناصرية الابتدائية، ثم بالمدرسة التجهيزية (أي الثانوية)، فالمهندسخانة التي لم يبق بها سوى فتره قصيرة، وانتقل منها الى مدرسة الالسن التي اسسها رفاعه رافع الطهطاوي. وكان الشيخ حسونة النواوي (شيخ الأزهر فيما بعد) من اساتذته فيها،  وما أن تخرج المترجم حتى اتجهت ميوله إلى الدراسات التاريخية والأثرية، بالرغم من تعينه مدرسا بالتجهيزية، وما فتئ أن انتدب للعمل مع البعثه الفرنسية للعاديات ليعينها على قراءة النصوص العربية المحفورة، والمخطوطات، ويبدو أن يعقوب ارتن باشا وكيل المعارف هو الذي اختاره لهذه المهمة، لما توسمه فيه من رغبة في التعليم والتدرب، وليمكنه من أن يواصل دراسته في دائرة من خيرة العلماء، وبذلك يعوضه عن السفر في بعثه إلى اوربا. وقد عمل علي بهجت خمسة عشر عاما مع ماسبرو وكازانوفا، وكان اشد ميلا إلى دراسة الاثار العربية والتاريخ الإسلامي.

علي بهجت، بريشة مكرم حنين

ماذا كان يعرف علي بهجت من اللغات! (وأحب أن أرفع صوتي بهذا ليسمع شباب الجيل الحاضر!) : العربية والتركية والفرنسية والألمانية. وأضاف إليها الانجليزية على كبر!
ترقى علي بهجت في وزارة المعارف إلى مفتش بالتعليم الابتدائي، ثم إلى رئيس قلم الترجمة. وهنا وجد نفسه بين مطرقة المستشار دنلوب وسندان الخنوع والذلة. ولم يكن خلق علي بهجت ليتحمل غطرسة ذلك الجاهل، وحدث في ذلك الوقت أن وقع الوزير حسين فخري باشا على خطاب من مكتب الوكيل ارتين باشا، دون أن يمر على المستشار البريطاني. وأمر دنلوب على ان يسحب الباشا الوزير امضاءه. فما كان من علي بهجت إلا أن أثار الرأي العام بكتابة عدة مقالات بجريدة “المؤيد” دون إمضاء هاجم فيها المستشار العلج.

ويظهر أنه كان من اليسير جدا في تلك الأيام اكتشاف الموظف القادر على تحرير مقال يستند إلى وقائع من داخل الوزارة، وهنا بدأ اضطهاد دنلوب للمترجم، ولم ينقذه من براثن ذلك الحيوان سوى الوزير ووكيله ارتين. فنقلاه إلى لجنه حفظ الاثار العربية (سنة ۱۹۰۰) ثم فكرا في تعيينه ناظرًا “للانتيكخانه” الاسلامية (متحف الفن الإسلامي حاليا)  وكان مقرها جامع الحاكم. ولكن المهندس هرتس فاز بالنظارة، وعين بهجت وكيلا له.
وأنتقلت “الانتيكخانة” إلى المبنى الجديد بباب الخلق (مكانها الحالي) سنة ۱۹۰۳، وسميت “دار الاثار العربية” ولقب هرتس باشا بأمين المتحف، وعلي أفندي بهجت بالأمين المساعد.
وبعد سفر هرتس قبيل الحرب العالمية الأولى، تعين بهجت مكانه، ثم رقي مديرا عاما فيما بعد، كان لكل من فرانس باشا وهرتس باشا فضل لا ينكر في المحافظة على الاثار الإسلامية، وضع فرانس باشا الاسس العلمية لهذا العمل، وقام هرتس باشا بمساعده بهجت، بتنظيم الدار وتبويب محتوياتها، كما وضع أول دليل علمي لما فيها.
واصل بهجت العمل وحده، فضاعف من مقتنيات المتحف، ثم شرع في انجار أهم أعماله الأثرية؛ وهو الكشف عن مدينه الفسطاط، أول عاصمة لمصر الإسلامية بعد أن حولتها سبعه قرون من الاهمال إلى كيان قمامة وسباخ وأتربة وشطفات خزف.

جرار فخارية كشفت عنها حفائر الفسطاط برئاسة عالم الآثار المصري علي بهجت وكيل دار الآثار العربية آنذاك

حمل منها إلى المتحف كل ما يمكن نقله من أواني الخزف، وهي المجموعة التي تمثل شتى عصور الفسطاط، ومن الحجارة والشواهد والخشب والنحاس والجلد والزجاج.
وكشف عن اساسات مباني الفسطاط، مما يرجع إلى القرنين الثالث والرابع الهجري في اقدمه، وإلى القرنين السادس والسابع من الهجرة في احدثه. كما كشف عن سور الأبراج الذي
اقامه صلاح الدين الأيوبي إلى الشرق من الفسطاط.

سافر علي بهجت اول ما جاوز الحدود . إلى مؤتمر المستشرقين المنعقد بروما عام ۱۸۹۹ وتقدم إليه بدراسته عن كتاب “صبح الاعشى” ومؤلفه وتكررت اسفاره إلى الخارج مما
ساعده على الاتصال بالعلماء الاوربيين وارتاد دور الكتب، والجمعيات العلمية.
ونشر عددا هاما من المقالات في الصحف السيارة، بدون امضاء، اما في مجلة “الموسوعات”، (۱۸٦۸ – ۱۹۰۱) فكان يوقع مقالاته بامضاء “اثري” وفي هذه المجلة نشر أقوال
المؤرخين العرب عن الاهرام، وترجم للرحالة العرب، وقدم دراسته عن بيمارستان المنصور، وعن مركز مصر التاريخي، وجغرافيتها في العصر المملوكي.
وترجم إلى العربية كتاب المهندس الأثري هرتس باشا عن “مدرسة السلطان حسن“، (۱۹۰۲)، وقد استعان في هذه الترجمة، وفي ترجمة كتالوج دار الاثار العربية، بالمقابل العربي
لمصطلحات الفنون والصناعات ولم يكن يتردد في الرجوع الى الحرفيين والصناع يستعير منهم ما درجوا على استعماله منها في شتى أعمالهم الفنيه وصناعاتهم.
لم يكن أحد يعرف بقيمه كتاب “صبح الاعشى” ، ولا حتى اسم مؤلفه الكبير عام ۸۱٤ من الهجرة (القرن الخامس عشر الميلادي)، بل لم يكن يعرف نصا كاملا للكتاب في اى من دور
الكتب. فوجه علي بك بهجت اهتمام العلماء اليه، عندما تقدم ببحثه الى مؤتمر المستشرقين سالف الذكر، مما أعان دار الكتب المصرية على تجميع اجزائه المبعثرة، ثم نشره، كما نعرفه
الآن بين أيدينا.
واكتشف المترجم بمكتبة اكسفورد “ديوان قانون الرسائل” لابي القاسم علي بن منجب بن سليمان، وهو من اهم كتاب الرسائل في دولة الفاطميين بمصر. نسخ بهجت المخطوط وقدم له،
وشرحه ونشره على حسابه سنة ۱۹۰٥ وكان له الفضل السابق في نشر كتاب “فتوح البلدان” للبلاذري (ابي حسن أحمد بن يحيى البغدادي)، قدم له وشرحه ونشرته جمعية نشر
المؤلفات العربية سنه ۱۹۰۱.

بقايا جدران كشفت عنها حفائر الفسطاط برئاسة عالم الآثار المصري علي بهجت وكيل دار الآثار العربية آنذاك

وضمن ما تقدم به من دراسات للمجمع العلمي المصري:
- وثيقة زواج الجنرال عبد الله منو القائد العام للجيش الفرنسي في مصر بعد مقتل كليبرن والذي اعتنق الإسلام ليبني بالسيدة زبيدة. من بيت علم وفضل بمدينة رشيد.
ثم تقصى أخبار أسرة هذه السيدة.
- بحث عن صناعة النسيج بمصر في العصر الوسيط.
- احتلال دمياط ابان الحرب الصليبية السادسة.
- مرسوم للسلطان خوش قدم.
- عن بعض لقيات اثرية بحفائر الفسطاط.
- وعن باب مكثف بالنحاس ذي ضلفتين بمسجد برسباي بالخانقاه (الخانكة).
وخصص لحفائر الفسطاط مؤلف بالفرنسية طبع بباريس عام ۱۹۲۰.
وقبيل وفاته  نشر في باريس كتابه عن “الخزف والسيراميك المصري” يحتوي على ۱٤۲ لوحة.
وتوفي علي بك بهجت في ۲٧ مارس ۱۹۲٤، بين كتبه وأوراقه وأضابيره ولقياته الاثرية، في الفيلا التي كان يسكنها بالمطرية، ودفن في اليوم التالي بالمقبرة التي اعدها لنفسه بجوار
مسجد قايتباي بالقرافة. تشيعه حفنه من الأصدقاء، دون مشاركة رسمية أو غير رسمية من قبل الحكومة.
وهكذا يمضي العاملون، ويمضي مكتشف آثار الفسطاط، عاصمة القائد عمرو بن العاص، فاتح مصر، ويمضي على السكيت، كما نقول في لغتنا الدارجة.

:رثاه أحمد شوقي بقصيدة مطلعها

أحقُّ أنهم دفنوا عليَّا      وحطُّوا في الثرى المرءَ الزكيّا؟

 

:المصادر

مقال “علي بهجت الأثري والمجمع العلمي المصري”، بقلم الدكتور حسين فوزي – جريدة الأهرام في ۱٤ يونيه ۱۹٦۸

الصور من موقع ذاكرة مصر المعاصرة – الرسم من جريدة الأهرام، المقال السابق ذكره

:اضافه

علي بهجت+

محمود الورداني يكتب عن‏:‏ مشروع علي بهجت ــ ماكس واينبرخم +

ﻣـﺸــﺮوع واﻳـﻨـﺒـﺮﺧﻢ / ﻋــﻠﻰ ﺑـﻬـﺠﺖ، من كتاب “بعض ما يمكن قوله أوراق ليست شخصية” محمود الورداني عن الهيئة العامة لقصور الثقافة+

كتاب “علي بهجت أول أثري مصري“، أنور لوقا عن دار الهلال – الكتاب موجود بمنفذ بيع دار الهلال بالسيدة زينب، القاهرة+

Les fouilles d’Al Foustat – Ali Bahgat Bey+

Fondation Max Van Berchem+

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.